خليل الصفدي
30
نكت الهميان في نكت العميان
تعالى ، قراءة عليه وهو يسمع بالقاهرة المعزّيّة في سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، قلت له : قرأت على أبى عبد اللّه محمد بن علي بن ساعد ، أخبركم ابن خليل ، أنا ابن أبي زيد ، أنا محمود الصيرفي ، أنا أبو الحسين بن قاذشاه ، أنا الطبراني ، ثنا الوليد بن حماد الرملي ، ثنا عبد اللّه بن الفضل ، حدثني أبى ، عن أبيه عاصم ، عن أبيه عمر ، عن أبيه قتادة بن النعمان ، قال : أهدى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوس ، فدفعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلىّ يوم أحد ، فرميت بها بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى اندقت عن سيتها ولم أزل عن مقامي نصب وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألقى السهام ، وكلما مال سهم منها إلى وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلا رمى أرميه ، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي على خدّى ، وافترق الجمع ، فأخذت حدقتي بكفى ، فسعيت بها في كفّى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كفّى دمعت عيناه ، فقال : « اللهم إن قتادة فدى وجه نبيك بوجهه ، فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرا » ، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا « 1 » . قلت : ولا شك أن هذا أبلغ معجزا من الحديث الأول ، فإن الأول فيه أن عينين كانتا قد ابيضتا ، فتفل فيهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأبصرتا ، وهما أخف أمرا من عين سالت وصارت في كف صاحبها وبانت عن مستقرها ، فيعيدها صلى اللّه عليه وسلم أحسن من أختها وأحدّ منها نظرا ، لا شك أن هذا أبلغ . وقال الخرنقى الأوسي : ومنا الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأحسن حالها * فيا طيب ما عين ويا طيب ما يد وجاء في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تكرهوا الرّمد ، فإنه يقطع عروق العمى » ، أي أسبابه . وقال إبراهيم التيمي : كفى بالمرء حسرة أن يفسح اللّه في بصره في الدنيا وله جار أعمى ، فيأتي يوم القيامة أعمى وجاره بصيرا . وسمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلا يقول : ما أشد العمى على من كان بصيرا ، فقالت : يا عبد اللّه ، عمى القلب عن اللّه أشد من عمى العين عن
--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ( 1 / 187 ، 188 ) ، وابن هشام في السيرة النبوية ( 2 / 82 ) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 3 / 453 ) ، وابن كثير في البداية والنهاية ( 2 / 447 ) .